الشيخ محمد رشيد رضا

4

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لهذه الحكمة قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي إن الجهات كلها للّه تعالى لا فضل لجهة منها بذاتها على جهة ، وإن للّه أن يخصص منهما ما شاء فيجعله قبلة لمن يشاء ، وهو الذي يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو صراط الاعتدال في الافكار والاخلاق والأعمال كما يبين في الآية الآتية . فعلم أن نسبة الجهات كلها إلى اللّه تعالى واحدة وان العبرة في التوجه اليه سبحانه بالقلوب ، واتباع وحيه في توجه الوجوه * * * قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وهو تصريح بما فهم من قوله ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * الخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطا . قالوا إن الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الامر إفراط ، والنقص عنه تفريط وتقصير ، وكل من الافراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم ، فالخيار هو الوسط بين طرفي الامر أي المتوسط بينهما . قال الأستاذ الامام بعد ايراد هذا : ولكن يقال لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع أن هذا هو المقصود والأول انما يدل عليه بالالتزام ؟ والجواب من وجهين ( أحدهما ) ان وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فان الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفا به ، ومن كان متوسطا بين شيئين فإنه يرى أحدهما من جانب وثانيهما من الجانب الآخر ، وأما من كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضا ( وثانيهما ) أن في لفظ الوسط إشعارا بالسببية فكأنه دليل على نفسه ، أي أن المسلمين خيار وعدول لأنهم وسط ، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين ، ولا من أرباب التعطيل المفرّطين ، فهم كذلك في العقائد والاخلاق والاعمال ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الاسلام على قسمين - قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هم له الا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين ، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة ، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية ، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضات وأما الأمة الاسلامية فقد جمع اللّه لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق